البروتوكول
الحادي عشر
برامج الدستور الجديد – بعض التفاصيل المتعلقة بالثورة
الجديدة – الغوييم قطيع من الغنم – الماسونية السرية ومحافلها التي
هي "معرض" خارجي
مجلس
الدولة الأعلى أو مجلس الشورى الأعلى، كان ولا يزال أقوى تعبير عن
سلطة الحكم، وسيبقى الواجهة الخارجية للسلطة الاشتراعية.
أو بالأحرى ما يسمى بلجنة تحرير القوانين والأنظمة التابعة
للحاكم.
وهذا
هو برنامج الدستور الجديد.
سننشئ الأوضاع اللازمة للقانون والحق والعدالة، حتى يبدو أن
هذه العناصر الثلاثة قد تبوأت مكانها المعد لها.
ونفعل ذلك بثلاث طرق: (1) في قالب مشروعات قوانين تحال على
السلطة الاشتراعية (2) في قالب مراسيم مجلس الوزراء (3) وفي حالة سنوح
الفرصة المؤاتية في شكل ثورة تهبّ رياحها داخل الدولة.
وبعد
أن نكون قد فرغنا من ترتيب هذه الأمور على مواقيت، فإننا نتحول إلى
جهة أخرى، فنُعنى بتفصيل ما يتعلق بالمناحي التي بها تتم مجاري الثورة
عي طريق أجهزة الدولة في الاتجاه المقرر.
وأعني بهذه المناحي حرية الصحافة، حق تأليف الجمعيات والأحزاب
والهيئات، حرية الرأي والضمير، حق التصويت في الانتخاب، وغير ذلك مما
يجب أن يمحى ويغيب إلى الأبد من ذهن الإنسان، أو أن يُعدَّل تعديلاً ينسف حتى الأساس، شرط أن
يقع هذا كله غداة إعلان الدستور الجديد بلا تراخٍ. وهذا مستطاع الآن في هذه الفترة، فنصدر أوامرنا كلها دفعة واحدة،
ولا نؤخر منها شيئاً، إذ لو أخرناها أقل تأخير وأُلحق بالدستور تعديل
تالٍ، فكل
تعديل ذو بال يقع على هذا الوجه، لا بد أن يكون فيه خطر، للسبب التالي:
إذا كانت مادة التعديل خشنة فظة، وكانت طريقة الاقتراح خشنة فظة كذلك،
مع قصر نظر المقترح في موضوعه، فقد يشمخ المقترح بأنفه ويعتقد أن هذا
التعديل يفتح الباب لأمثاله ينسجون في الاقتراح على منواله، وحينئذ
يقال بأننا قد اعترفنا بأخطائنا، وهذا ينال من الهيبة المحيطة بسلطتنا
المعصومة، أو يقال أنه قد دخلت علينا مخاوف فاضطررنا إلى المسايرة
و المجاراة، و على هذا الموقف لا يشكرنا أحد، بل يظنون أننا نزلنا
على الإكراه، وغُلِبنا على أمرنا.
وكل وجه من هذه الوجوه ضارّ بسمعتنا بين يدي الدستور الجديد.
وأما ما نريد، فهو أن تعترف الشعوب فورا، و حرارة الانقلاب لم تبرد
بعد، بأننا أقوياء، ولا سبيل لأحد إلى زحزحتنا قيد شعرة، و كلنا بأس
رهيب من قرننا إلى قدمنا، فلا نحسب حساب أحد، ولا نخاف الخوف الذي
يضطرنا إلى الأخذ برأي أحد، ونحن على استعداد في كل وقت ومكان أن نسحق
كل من ينبس بكلمة اعتراض، ونثبت أننا قد مَلكَنا الأمر كله على الغوييم،
و ليس بودنا أن نتقاسم وإياهم ما مـَلكنا، وإننا نفعل هذا والرؤوس
لا تزال دائخة من هول ما وقع والناس مأخوذون، والخوف يتملكهم. حينئذ
تراهم مما اعتراهم من الفزع قد أغمضوا عيونهم على ما رأوا وسكنت حالهم،
وراحوا ينتظرون ما تكون العاقبة.
الغوييم قطيع من الغنم، ونحن ذئابهم. وتعلمون ماذا يحلّ بالغنم إذا جاءتها الذئاب.
وهناك
سبب آخر يحملهم على إغماض العين: فإننا سنوالي إزجاء الوعود بأننا
سعة نفرغ من تحطيم أعداء السلام وترويض جميع الأحزاب، سنعيد إليهم
الحريات التي أخذناها منهم، لكن سيطول بهم الزمن وهم ينتظرون.
فلأي
غاية، نسأل الآن، قمنا باختراع هذه السياسة، وتلقيح أذهان الغوييم
بها دون أن نعطيهم الفرصة للتفكير فيما وراءها؟ هل الغاية إلا أن نبلغ
من هذا كله، بطريق المراوغة والدوران، ما لا نستطيع بلوغه بسلوكنا
الطريق المستقيم؟ هذا لعمري هو الأساس الذي قامت عليه مؤسستنا الماسونية
السرية التي لا تعرف حيوانات الغوييم من أمرها شيئاً
يذكر، ولا من أغراضها الخفية إلا ما يؤخذ بالظن والتقدير.
فاجتذبنا الغوييم إلى القافلة الجرارة من معارض الأندية والمحافل
الماسونية فقامت هذه المحافل بذرّ الرماد في عيون أعضائها.
والله قد أنعم علينا، نحن الشعب المختار، بنعمة السبي والجلاء،
والتفرق والشتات في الأرض، وهذا الأمر الذي كان فيما مضى مَجلى ضعفنا،
انقلب فيما بعد سبب قوتنا التي أفضت بنا الآن إلى أن نلج الباب الذي
منه نبسط سيادتنا وسلطاننا على العالم كله. هذا ما بلغناه. وأما ما بقي علينا أن نبنيه و نرفعه فوق
الأساس فليس علينا بعسير.
البروتوكول
الثاني عشر
نوع الترجمة الماسونية لكلمة "حرية" – مستقبل
الصحافة في المملكة الماسونية – التسلط على الصحافة – شركات الأنباء
– ما هو التقدم في رأي الماسونية؟ – الصحافة أيضاً من ناحية أخرى –
التضامن الماسوني في صحف العصر – إثارة مطالب الرأي العام في الأرياف
– العهد الجديد معصوم.
كلمة
الحرية التي تفسر تفسيرات مختلفة، إنما لها عندنا هذا التحديد: الحرية
هي حقك أن تفعل ما يبيحه لك القانون.
وهذا التحديد يكون مفيداً لنا في الوقت المناسب، لأن زمام الحريات
كلها سيكون بيدنا، بعد أن تصبح القوانين هي صاحبة القول الفصل تأخذ
ما تأخذ، وتعطي ما تعطي، على ما تتطلبه مصلحتنا، وعلى النهج الذي نريد.
وسنعامل
الصحافة على هذا المنوال:
فما
هو الدور الذي تمثّله الصحافة اليوم؟ أهي دائبة العمل على الإثارة
والتحريض، وإشعال العواطف التي تخدم غايتنا، أم هي في خدمة أغراض الأنانية
للأحزاب؟ ومن هنا هي على الغالب تافهة، تأخذ جانب الشطط، كاذبةً مختلقة،
وجمهور الشعب يجهل الأغراض التي تتخبط وراءها الصحافة.
أما نحن فسنسرجها ونلجمها ونأخذها بعنانٍ شديد، ومثل هذا نصنع
إزاء جميع ما تخرجه دور الطباعة والنشر من إنتاج مختلف الألوان، إذ
لا يكون هناك من معنى لتخصنا من حملات الصحف علينا، مع بقائنا هدفاً
للنشرات والكتب. وسنعنى العناية الخاصة بما يتعلق بمادة النشر والطبع، مما تخرجه
المطابع على اختلافه. فإخراج
المطبوعات اليوم كثير التكاليف والنفقات بسبب الرقيب. وهذا الأمر الدائر كله حول المطبوعات، سنحوّله إلى مورد يدرّ
على خزينة الدولة دخلاً غزيراً.
وسَنُخْضع الصحف لنوع من الضريبة البريدية، ودفع الوديعة المالية
الاحتياطية مسبقاً قبل إصدار الرخصة، ويتناول هذا التدبير أيَّ نوعٍ
من النشرات والصحف والمجلات. وهذا التدبير يكفل لحكومتنا الوقاية من
أي حملة كتابية علينا من جانب الصحف.
وحينئذٍ، فأي محاولة للحملة علينا، هذا إذا كانت محتملة الوقوع،
بوسعنا أن نخمدها في أي وقت عن طريق فرض الغرامة المالية بلا رحمة،
وباقتطاع هذه الغرامة واستيفائها من الوديعة، وهذا كله بأتي منه دخل
كبير. صحيحٌ أن صحف الأحزاب قد لا يكون لديها مال مرصد لينفق على النشر،
فهذه الصحف إذا هاجمتنا فسنغلقها إذا كرَّرت عملها. ولن يكون بوسع أحد، مهماً ظن أنه في حصانةٍ
من نفسه، أن يلوِّح بالنَقْد ولو بطرف إصبعه، قاصداً أن ينال من هالة
التقديس المحيطة بحكومتنا.
وستكون حجتنا في وقف أي نشرة، أنها أساءت إلى الرأي العام بما
كتبت ونشرت دون مناسبة أو مبرر. وأرجو منكم أن تلاحظوا أن بين الصحف المهاجمة
لنا، تكون هناك صحف أخرى حقيقتها مستترة، وكلهم في الحلبة شيء واحد،
غير أن المستترة بقناع هي الصحف التي نحن أنشأناها سرّاً، فإذا حملتْ
علينا ونَقَدتْنا، فإنما هي تفعل ذلك في الموضوعات التي نكون نحن قد
قرَّرنا من قَبْل، أن يجري تعديلها، ولا ضرر من إثارة النقد في مثل
هذا الظرف.
ولن
تصل إذاعة أيُّ نبأٍ إلى الجمهور عن طريق الصحف، قبل أن تكون مادة
الخبر قد مرت علينا. وكاد هذا الأمر يكون واقعاً اليوم على هذا
الوجه، وزمامه بأيدينا، على ما نراه في شركات الأنباء والأخبار قليلة
العدد، حيث تتوافد عليها الأنباء من مختلف أنحاء العالم، وفي اليوم
القادم سيكون أمر هذه الشركات لنا نصرّفه كيف نشاء، ولن يُطْلَق نبأ
واحد إلى العالم إلا ما نمليه نحن.
فإذا كنا قد توصلنا حتى اليوم إلى ما فيه رضانا، فلننظر فلا
نرى دولة واحدة تقف بيننا وبينها حواجز تؤخرنا عن الوقوف على ما يسميه
الغوييم الأغبياء بأسرار الدولة، فكيف تكون الحال من جهتنا من وسع
حيلة، ونفوذ كلمة، وتوغل من كل ناحية، بعد أن يُعتَرف بنا أننا سادة
العالم في شخص ملكنا الذي سيطبق سلطانه الأرض كلها؟
وَلْنَعُدْ
إلى أمر المطبوعات النشر في المستقبل.
فكل واحد من العاملين في هذا الحقل، يرغب في أن يكون ناشراً،
أو صاحب مكتبة، أو متعاطياً فن الطباعة، عليه أن يكون حاصلاً على دبلوم
أحد المعاهد، فإذا عثر أو كبا، ضبطنا منه الدبلوم وسحبناه منه بلا
تردد. وبهذه الوسيلة والتدابير، تغدو أداة النشر الفكري في آفاق الرأي
العام، أداةً تعليمية في يد حكومتنا، فلا تبقى الجماهير بعد ذلك عرضة
للتضليل بالطرق الملتوية والنزوات، والتغني الباطل ببركات مزعومة جاء
بها عصر التقدم والنور. ومن
منا لا يعلم أن هذه البركات الخيالية الموهومة، ما هي إلا الطريق التي
تؤدي توّاً إلى متاهات التفكير الجنوني، وهذا التفكير الجنوني يفضي
بصاحبه إلى حيث تتولد بذور الفوضوية، تنتشر بين الناس أنفسهم ثم بينهم
وبين السلطة، لأن التقدم، أو بالأحرى فكرة التقدم كان السبب في الانطلاق
إلى التحرر من كل نوع بلا ضابط، وكل ذلك جمد بالتالي وتوقف عن عجز.
وجميع من يسمون بالأحرار هم دعاة فوضوية، وإذا لم يكونوا هكذا
في الواقع فعلى الأقل هم هكذا في الفكرة. وكل واحد من هؤلاء راح يتخبط وراء خيالاته،
ويزداد إفراطاً وجنوناً حتى يقع في حفرة الفوضى، فيصيح ويحتج، لا من
أجل شيء بل لمجرد شقشقة الألسنة بالاحتجاج.
ونتناول
الآن الصحف الدورية من مجلات ونشرات وأمثالها. وهذه أيضاً سنخضعها كغيرها من سائر المطبوعات للضريبة البريدية،
على أن يكون مدار الاستيفاء موقوفاً على عدد صفحات النشرة، ونلزمها
باسم القانون دفع الوديعة المالية الاحتياطية، وأما الكتب التي تتألف
من أقل من 30 ملزمة، فإننا نرتب عليها دفع الضريبة مضاعفة، وسنعتبر
المجلات الدورية من نوع الكتب الصغيرة أو النشرات، و القصد من هذا
على نوعين، أولاً: أن يتناقص عدد هذه المجلات، وهي في الوقع اردأ أنواع
المطبوعات وأسمُّها مادة، وثانياً: أن يُكْرَه الكتَّاب على الإكثار
من هذه المادة، إكثاراً مملاً يحمل القراء على أن يُعرضِوا عن المطالعة، وهذا بالإضافة
إلى غلاء الثمن. أما نحن ففي الوقت نفسه سنتولى إصدار مجلات من قِبَلِنا
لتنشيط الحركة الذهنية في اتجهنا، وأثمان مجلاتنا هذه رخيصة، و مادتها
يشغف القارئ بمطالعتها. والضريبة
البريدية ستحدّ كثيرا من مطامع المنتمين إلى صناعة الكتابة، فيجدون
أنفسهم محصورين في نطاق ضيق، ولا مجال لهم للعبث، ثم تدركهم حين الاقتضاء
الغرامات المالية، فينوءون تحتها فيجمدون ثم ينتهون إلينا.
ومع هذا، فإذا اغترّ واحد منهم بعد ذلك بالحملة علينا، فلن
يجد المطبعة التي تقبل أن تطبع له ما يريد قبل أن تراجعنا للإذن بالطبع.
وبهذه الطريقة نتمكن من الوقوف على المادة المراد نشرها قبل
طبعها، وتنكشف لنا الحيلة، فنضرب بالمادة عرض الحائط، لكننا ننظر في
محتواها، فإذا وجدنا فيه شيئاً يقتضي الإيضاح للرأي العام، فعلنا ذلك
من تلقاء أنفسنا.
صناعة
الأدب و الصحافة في مضمارهما، هما أشد عوامل التهذيب، ولهذا السبب
ستكون حكومتنا مالكة مقود معظم الصحف، وهذا من شأنه أن يعقّم العوامل
الضارَّة في هذا الباب، مما يملكه أرباب الصحف.
وبهذا التدبير نكون قد امتلكنا القوة الأولى الموجهة للرأي
العام. وإذا أعطينا،
مثلاً، عشر رخص لإصدار صحف إلى مطلق الناس، فينبغي أن نعطي إلى جماعتنا
ثلاثين رخصة، و يجري الأمر في أي صعيد آخر على هذه النسبة. ولا يشك الرأي العام في ما نصنع، إذ كل
الصحف التي تنتمي إلينا ستكون من حيث المظهر جامعة لمختلف النزعات
و الآراء المعارضة، وهذا ما يوهم الجمهور، دون أن يدري ما وراءه، ويستدني
إلينا الخصوم الذين لم يمعنوا في إساءة الظنون بنا، فنتلقاهم، ونستلَّ
منهم الأشواك، فيغدون ولا ضرر منهم.
ففي
الصف الأول تأتى الصحف ذات الصبغة الرسمية، الناطقة بلساننا. وهذه الصحف هي الحارس على مصالحنا دائماً،
ولذلك لا يكون لها تأثير كبير في مجرى حركة الرأي العام.
وفي
الصف الثاني تأتي الصحف التي صبغتها شبه رسمية، وهذه هدفها استمالة
الفاترين الباردين، والذين هم على مفترق الطرق، وقليلاً ما يبالون.
وفي
الصف الثالث الصحف التي نعهد إليها في معارضتنا في الطاهر، وفي واحدة
منهن على الأقل ينبغي أن تكون المعارضة على اشدّ ما يمكن من المرارة.
أما خصومنا الحقيقيون فانهم في سرهم سيرتضون هذه الحال بصمت، فلا يفطنون
أن المسألة تمثيل خادع على المسرح، فتجوز عليهم الحيلة. وبهذه الحيلة
التي انطلت عليهم، يكشفون لنا عن أوراقهم.
وجميع صحفنا التي تشرب من مائنا ستحمل شتى الوجوه والسحنات
والنزعات: من أرستقراطية، إلى جمهورية، إلى ثورية، إلى فوضوية، إلى
آخر ما تحتمله قائمة الأسماء.
وستكون هذه الصحف كصنم فشنو في الهند لها مئة ذراع وذراع، وكل
عين من عيونها مفتوحة على ناحية من نواحي الرأي العام. فإذا ما اشتد نبض صحفيّ ما، وظهرت حُمَّى
من الحميات، فتلك الأيدي ترشد الرأي العام إلى ما نريد، لأن المريض،
الثائر النفس، يفقد توازن الفكر ويميل إلى قبول نصيحة تعمل على تسكينه
والتخفيف عنه. وأولئك المجانين الذين يظنون أنهم على حق
في ترديد ما قالته جريدتهم الناطقة بلسان معسكرهم، يكونون في الواقع
يرددون مقالتنا نحن من حيث أصل الفكرة، أو ما يجري مجراها من أمثالها. ويكون عبثاً ظنهم أنهم يتعلقون بما هو من
بضاعتهم، بينما الراية التي يدافعون عنها، وتحتها يقفون، هي رايتنا
مرفوعة فوق رؤوسهم.
وحتى
ينتظم أمر الصحف المتجندة لنا، على هذا الغرار المتقدم، فعلينا العناية
الدقيقة بكل ما يتعلق بها ويؤول إليها.
وتحت ستار دائرة مركزية للمطبوعات، سننشئ خلايا أدبية الصبغة
يتلقن منها عملاؤنا ما يلقى إليهم من تعليمات وأوامر، وكلمات سر، كل
يوم بيومه، دون أن يكون شيء من أمر هذا يلفت النظر.
وتجري في هذه الخلايا مناقشات على وجهي النفي والإثبات، والمناقضة
والتأييد، وكل هذا إنما هو من التمثيل والمظهر المصنوع لا أكثر، دون
تعمق إلى الجوهر الحساس. وستتولى الصحف السائرة في ركابنا شنّ حملةٍ
عنيفة صارمة على الصحف الرسمية الناطقة باسم الدولة، وما الغرض من
هذا سوى إعطائنا الفرصة لندلي في هذه المناسبة بتصريحات حول الموضوع
أوسع وأشمل مما لو جئنا نعالجه ببيانات رسمية في أوقات أخرى.
وظاهرٌ جليٌّ وجه النفع لنا من هذا.
وهذه
المهاجمة التي وُجِّهَتْ إلينا، يكون لنا منها فائدة أخرى، وهي أن
تقتنع رعايانا بأن الحريات التامة متوفرة لها، ومن هذه تلوح الفرصة
لعملائنا فيثبتوا أن جميع المعارضة ما هي إلا ثرثرة فارغة، تخبط خبط
عشواء، فالمجال أمامها فسيح لتقول وتثبت حجة ما تقول، فلم تفعل شيئاً
من ذلك، وعجزت عن إقامة الدليل الواقعي على دعواها. والأمر من طرفيه يكون محكماً على ما أصدرنا
من تعليمات بشأنه إلى عملائنا.
إن
الأسباب الإدارية التي من هذا الطراز، وهي جدّ دقيقة، وتخفي عن عيون
الرأي العام, تغدو خير الوسائل لجعل الرأي العام يلتفت إلى حكومتنا
بالثقة والاطمئنان. ومرحى لهذه الأسباب البارعة تمكننا من وقتٍ
إلى آخر، حسب الاقتضاء، من تهييج الرأي العام أو تسكينه، حول موضوع
سياسي، أو من إقناعه به أو حمله على التشكيك، والتشويش عليه، فننشر
اليوم ما هو الصدق والحق، وغداً ما هو الكذب والباطل والافتراء، وتارةً
المسلًّم به، وطوراً ما هو نقيضه، وهكذا دواليك، ودائماً نتحسس الأرض
التي تمشي عليها قبل نَقل الخطى، كي لا نعثر.
والنصر مضمونٌ لنا على أعدائنا، إذ ليس بيدهم صحف رهن أمرهم
كما لنا نحن، تنشر آراءهم على ما نفعل نحن.
وعندما تعالج مسألة من مسائلهم ويؤول الأمر إلى إسكاتهم، نكتفي
بعد ذلك بالتنفيذ السطحي، ولا نزيد.
وصغائر
هذه العبارات النارية نطلقها عند الحاجة صحف الصف الثالث، ونظهر السخط
عليها وندعي عدم الرضى عنها، بل تفندها صحفنا شبه الرسمية.
وحتى
في أيامنا هذه، لنا مثال على اتجاهنا، وهذا المثال نأخذه مما هو مشاهد
في صحف فرنسا، حيث تقع حالات وصور يظهر منها التساند الماسوني على
يد الشعار أو كلمة السر: فإن رجال الصحف في فرنسا مقيدون برعاية سر
المهنة الصحفية، وشأنهم إذا سألتهم عن مصدر خبر ما، شأن العرافين في
الزمن القديم. يجيبون
بإبهام ثم يصمتون، وهؤلاء الصحافيون لا يبوحون باسم المصدر الذي استقوا
منه الخبر، إلا إذا أجمعوا على البوح به، فذلك شيء آخر. ولا تجد صحفياً
واحداً يجترئ على فشو السر، كما لا تجد صحافياً آخر يمكن أن ينتمي
إلى الأسرة القلمية الكتابية ما لم يكن في ماضيه قد ناله ما يُلطِّخ
ويَصِم …… وهذه اللطخات والوصمات، لا تلبث أن
ينكشف عنها الغطاء. وانكشافها ما دام محصوراً في فئة قليلة،
فيبقى ذلك الصحافي على حسن السمعة في نظر الجمهور، يجتذبهم إليه وهم
الدهماء يسيرون وراءه بنخوة وحماسة.
وحساباتنا
هذه تتناول الآن أهل الأرياف والقرى، فلابد من أن نستثيرهم ونستفزهم
في ما له مساس بمسائل راحتهم وسلامتهم، ومطالبهم، واتجاهاتهم حتى إذا
تحركوا وهاجوا، حَمَلْنا قصتهم ونقلناها إلى العاصمة وقلنا لأهلها:
هذا ما تتعلق به آمالهم. وطبعاً يكون مصدر ما يطلبه هؤلاء وأولئك،
نحن. ثم إن ما نحتاجه
من الآن إلى أن يحين وقت تسلمنا ذروة السلطة العليا، أن نجعل العواصم
والحواضر تصيبها الضربة في عراقيبها، وهذه الضربة هي الآتية من الأرياف. ثم يقال لأهل العواصم: هذا هو رأي الأمة، أي رأي الأكثرية التي
نظمها عملاؤنا ورتبوها ثم يجب علينا عند سنوح الفرصة النفسانية المؤاتية،
أن نمنع أهل العواصم من مناقشة أي موضوع، تَمَّ وانتهى، بحجة أنه أصبح
في حكم الأمر الواقع، وأهل الأرياف، وهم الكثرة، قد قبلوا هذا وأقروه،
وأقفل الباب.
وفي
دور العهد الجديد، وهو انتقالي إلى الدور الأعلى حيث نتقلد زمام العالم
كله يجب منع الصحف من نشر الفضائح على الرأي العام، من أي نوع كان،
و الضرورة القصوى لهذا الوجه، أن يعتقد الجمهور أن العهد الذي طلع
عليه قد جاء بالخير والبركة إلى كل إنسان، فراقت الأحوال، وسكنت الطباع
بعد القلق، وغابت الجرائم، وصَفَتْ الهيئة الاجتماعية من هذا الوباء؛
وأما حوادث الجرائم من حيث وقائعها المادية، فتطوى طيّاً لا يعلم بها
إلا ضحاياها، وقد ذهبوا، وشهودها، إن وجدوا غرضاً، ذهبوا كذلك.
البروتوكول
الثالث عشر
الحاجة اليومية إلى الرغيف – مسائل السياسة -
المسائل الصناعية – فتن
الملهيات المسليات – قصور الشعب – "الصحيح صحيح
بذاته" -
القضايا الكبرى.
الحاجة
إلى رغيف الخبز كل يوم، تُكْرهِ الغوييم على أن يخلدوا إلى السكينة،
ويكونوا خدَّاماً لنا طائعين.
والعملاء الذين نختارهم منهم لخدمتنا في الصحف، سيقومون، بإيعازٍ
منا، بمناقشة أي موضوع لا يناسبنا أن نعالجه نحن في بيانات رسمية نصدرها
إلى الجمهور توّاً، لكننا، والنقاش دائر، حامي الوطيس في
أخذ ورد، ما علينا سوى أن نقوم، بهدوء تام، بالإجراءات التي
نراها ضرورية حسب رغبتنا، وهي ما يتعلق بموضوع النقاش الدائر، ثم نعرض
المسألة على الرأي العام، كأنها أمر واقع قد فرغ منه. حينئذ لن يجرؤ أحد على أن يتقدم فيطلب إلغاء
هذا الرأي الواقع، وتضيق الحلقة به وبأمثاله، عندما نكون قدَّمنا ما
قدَّمنا بمثابة إصلاح وتحسين.
وفوراً تقوم الصحف بدعوة الرأي العام واجتذابه إلى ما هو أشياء
جديدة فاتنة، فتنصرف إليها الأذهان (ألم نكن قد عودناها اشتهاء الجديد
المستحب الصالح؟) ثم ينبري لبحث الأمور الجديدة أشخاص ما وُهِبوا من
مقسِّم الحظوظ إلا فراغ العقول، وهم الذين يغيب عنهم أن يفهموا أنهم
ليسوا على شيء، وأعجز من أن يدركوا اللباب. فأمور السياسة إنما نحن
وحدنا نحذقها، وقد هيأنا الله لها بفعل الأجيال الجديدة، فمن مبدعها غيرنا؟
تعلمون
من كل هذا، أننا في طلبنا موافقة الرأي العام على ما نكون بسبيله،
إنما نطلبه في الواقع لنسهل به عمل أجزهتنا، وقد تلاحظون أن ما نرغب
في نيل الموافقة عليه، ليس عملاً من أعمالنا التي انتهى أمرها وفرغنا
منها، بل ذلك هو مجرد كلمات رمينا بها وقولٍ قلناه، يتعلق بهذا أو
ذاك من الأمور التجارية. ومن دأبنا دائماً أن نصرح ونعلن، أننا في مسارنا نعتصم بالأمل،
ووراءه اليقين، إننا خير متوخين إلاّ خدمة المصلحة العامة.
ولكي
نصرف أذهان الجمهور المزعج الشكس، عن مناقشة الأمور السياسية فإننا
نجيء إليه بما ندعيه بأنه الجديد المختار، في باب الصناعات وما إليها. وندعه يخوض في هذا ويسبح ما شاء. واعتادت الجماهير ألا تستسلم إلى الاسترخاء، وتنفض يدها مما تعده
من متاعب السياسة (مما عودناها معاناته من قبل، لنستغل ذلك في مكافحة
حكومات الغوييم) إلا إذا توافر لها من الأعمال المناسبة الأخرى ما
تعتاض به عما تتخلى عنه من شواغل السياسة، ولكي تبقى
الجماهير في ضلال، لا تدري ما وراءها وما أمامها، ولا ما يراد بها،
فإننا سنعمل على زيادة صرف أذهانها بإنشاء وسائل المباهج، والمسليات
والألعاب الفكهة، وضروب أشكال الرياضة، واللهو، وما به الغذاء لملذاتها
وشهواتها… والإكثار من القصور المزوقة والمباني المزركشة، ثم نجعل
الصحف تدعو إلى مباريات فنية رياضية و من كل جنس. فتتوجه أذهانها إلى
هذه الأمور وتنصرف عما هيأناه، فنمضي به إلى حيث نريد، فَيَسْلم موقفنا،
وهو الموقف الذي لو أعلناه بارزاً مكشوفاً، تواً، بغير اصطناع هذه
الوسائل الملهية، لوقعنا في التناقض أمام الجماهير.
ثم أن الجماهير بحكم ما الفته واعتادته من قلة التفكير داخل
آفاقها النفسية، ولا قدرة لها على الاستنباط، تراها شرعت تقلدنا وتنسج
على منوالنا في التفكير إذ نحن وحدنا من يقدم إليها المناحي الفكرية...
وطبعاً لا يكون هذا إلا على يد أشخاص لا شك في إخلاصهم لنا.
والدور
الذي يلعبه الليبراليون والطوباويون، حملة الأحلام الخيالية، يكون
قد استنفد غرضه عندما تقوم حكومتنا، وقد تمَّ لها الأمر.
وريثما تظهر حكومتنا ويبرز كيانها، فإعمال هؤلاء تبقى مفيدةً
لنا، ونحن نمدهم بما يوجه عقولهم إلى انتحال كل تافهٍ من العقائد يرونه
جديداً، مطلوباً ومقبولاً، السنا نحن الذين نجحوا في توجيههم بعقولهم
الرخيصة، توجيه التضليل والتعمية، حتى باتوا، ولا ترى فيهم واحداً
قادراً على التمييز ومعرفة أن معنى كلمة التقدم يتضمن المفارقة والمناقضة
في جميع الأحوال، حيث لا يكون الشيء كناية عن اختراع مادي، لأن الصحيح
بذاته هو على وجه واحد ثابت، وليس فيه مكان لمعنى التقدم. والتقدم كفكرة، شيء فاسد، ومن شأنه أن يجعل
الصحيح مبهماً غامضاً محجوب الرؤية، ورؤية الصحيح بجلاء ما خلقت إلا
لنا، شعب الله المختار، حراس هذا كله.
وعندما
ندخل مملكتنا، سيتولى خطباؤنا شرح هذه المسائل التي قلبت الإنسانية
رأساً على عقب، وبالتالي جَرَّتْها إلينا.
أهناك من يشك مقدار ذرة، أن جميع هذه الشعوب، نحن قد اقتدناها
هذا الاقتياد المسرحي حسب مرادنا السياسي، ولم يُرَ فيها أحدٌ
خطر بباله أو استطاع أن يدرك كيف سارت به قافلته هذه القرون
العديدة.
البروتوكول
الرابع عشر
دين المستقبل – العبودية في أحوالها المستقبلة – دين المستقبل مكتوم لا تصل إليه المعرفة
–
الأدب الإباحي والأدب النثري العام في المستقبل
متى
ما وَلَجنا أبواب مملكتنا، لا يليق بنا أن يكون فيها دينٌ آخر غير
ديننا، وهو دين الله الواحد المرتبط به مصيرنا، من حيث كوننا الشعب
المختار، وبواسطته ارتبط مصير العالم بمصيرنا.
فيجب علينا أن نكنس جميع الأديان الأخرى على اختلاف صورها.
فإذا أدّى هذا إلى ظهور الملحدين والإلحاد، على ما نرى اليوم،
فذلك لن ينال من آرائنا شيئاً، والدور دور انتقال، بل يكون الإلحاد
بمثابة إنذار للأقوام التي تُقْبِل على استماع تبشيرنا بدين موسى،
وهو الدين الذي بوضعه الوطيد وكمال نظامه، قد أستمال جميع أمم العالم
تخضع لنا وحينئذ نعلن أن ديننا هو الدين الذي يتوجه به الإنسان إلى
الملأ الأعلى بلا واسطة. وفي
هذه المرحلة من هذا الدور الانتقالي، سننشر على الناس من الفصول والمقالات
والأبحاث ما يتبينون به الفوارق بين حكمنا الخيّر وأحكام العصور الغابرة،
بالمقارنة. وبركات الاستقرار الذي هو حصيلة أخطاء حكومات الغوييم،
فسنحصيها عليها ونحاسبها بأشد ما يمكن من العنت. وسنذيع على الملأ
بشاعة تلك الأخطاء إلى حد يجعل الناس يؤثرون السكينة في دولة هم فيها
عبيدٌ مستخدمون، على ما رأوا من فارغ حقوق الحرية التي عذّبت الإنسانية
واستنفدت قوة الوجود الإنساني، وهي القوى التي استغلتها عصابات دهماوية
ضالة، مغامرة، لم تعرف من حقيقة أمرها شيئاً. وتغيير أشكال الحكومات فيما مضى، وهو أمرٌ
طالما دفعنا الغوييم إليه وأغريناهم بإتيانه، لمَّا كنا نعمل على دكّ
كيان الدول، كان من نتيجته
حتى الآن انه نَهَك طاقة الشعوب واستنزف عافيتها حتى أمست مذعنة لتحمل
أي مشقة في ظل حكمنا، وهي ترى هذا خيراً لها من العودة إلى معاناة
العهود السابقة في ظل حكوماتها التي قد انطوت.
وفي
الوقت نفسه، لن ننسى أن نندّد بالأخطاء التاريخية التي ارتكبتها حكومات
الغوييم، الأخطاء التي تعذبت بها الإنسانية دهراً طويلاً لعجز تلك
الحكومات عن أن تفهم وتعي معنى أيّ شيءٍ من الخير المحض للإنسانية،
فظلت (تلك الحكومات) راكبةً رأسها وراء مطالبها القائمة على الشهوات،
والمكاره، آملة أملاً فارغاً أنها ستحصل على البركات الاجتماعية، ولم
تلاحظ قط أن تلك المطالب كان من شأنها أن تزيد الشر وبالً وسوءاً،
دون أن تحقق شيئاً من تحسين وضع العلاقات العامة بين البشر وهذه العلاقات
هي أساس حياة الإنسان.
وما
تنطوي عليه مبادئنا من طاقة كامنة، وما في قواعد عملنا من قوة، كل
هذا ستنجلي محاسنه بطريقة واحدة، وهي أن نعرض ذلك ونبيّنه للناس ونشرحه
لهم، فيظهر خيره للعيان بالمقابلة والمقارنة، مع الأنظمة السابقة التي
فَنِيَت واضمحلت.
وسيتولى
فلاسفتنا بالشرح والتوضيح، الكشف عما تنطوي عليه معتقدات الغوييم الدينية
من عوار. غير أنه لن يسمح بأن يطرح ديننا للبحث ابتغاء
الوقوف على مقاصده وغاياته الصحيحة، إذ هذا علمه محصور بنا، مقصور
علينا وحدنا، ونحن دائماً حريصون على ألاَّ نبوح بأسراره لغيرنا.
وفي
خلال القرون التي تنعت بقرون النور والتقدم، وَضَعْنا في أيدي الناس
ضروباً من مادة الآداب المنشورة بالطباعة، هي غايةٌ في التفاهة والقذارة
والغثاثة. وبعد أن نقيم مملكتنا فهذه الأنماط من مادة
الأدب ستظل على حالها ساريةً مسراها، نروّجها ونحثّ عليها، والغاية
من ذلك أنه عندما نأتي نحن بأنفس طراز من محاضراتنا وخطبنا وأبحاثنا
وبرامج أحزابنا، ولك ذلك رائع، يوزع من قبل مقاماتنا العالية، حينئذ
يدرك الغوييم إدراكاً مذهلاً مدى الفرق العظيم بين ما أعطيناهم، وما
كانوا عليه. وسيقوم حكماؤنا، المهيأوون لقيادة الغوييم، بوضع المحاضرات ورسم
الخطط والمشروعات، وكتب المذكرات وصنوف المقالات، مما نستعمله نحن
لفائدتنا، فيسري أثره إلى عقول الغوييم تتلقح به وتستضيء بنوره بالاقتباس
منه، إستدراراً للمعارف، على ما قررت مناهجنا.
البروتوكول
الخامس عشر
الانقلاب أو (الثورة) يعمّ العالم في وقت واحد – الإعدام
– حظ ماسون الغوييم في المستقبل – أسرار السلطة – الإكثار من المحافل
الماسونية – الهيئة المركزية الحاكمة من حكماء الماسونية – الأساليب
المتحايلة – الماسونية وقيادتها جميع الجمعيات السرية – استحسان ما
يقوله المغرورون – الجماعة المتضامنة – الضحايا – إعدام حتى من هم
ماسون – سقوط هيبة القوانين والسلطة – مكاننا بصفتنا الشعب المختار
– ميزة القوانين في الإيجاز والوضوح في حكومة المستقبل – طاعة الأوامر
– العقوبة لمن يسيء استعمال القانون – صرامة العقوبة – تحديد سن صرف
القضاة من الخدمة – الليبرالية عند القضاة والسلطة – احتشاد أموال
العالم – السلطة المستبدة الماسونية – حق الاستئناف في المستقبل –
مظهر الأبوة في حكم المستقبل – حق القويّ هو الحق الوحيد ولا غيره
– ملك إسرائيل هو الأبوّة للعالم بأسره
متى
ما أنجزنا إقامة جولتنا بالانقلابات والثورات المعدة في كل مكان، لتقع
في يوم واحد موقوت، بعد أن يكون أمر الحكومة قد بلغ غاية التدلي والتفاهة،
واتضح ذلك ولا سبيل إلى إنكاره (وما ينقضي من الوقت من يومنا الحاضر
حتى يوم تحقيق أهدافنا المقبل قد يمتدُّ إلى قرن) فإننا سنُعنى بعد
ذلك بمكافحة أي شيء من حياكة المؤامرات علينا، وسنذبح بلا رحمة جميع
الذين يتناولون السلاح (بأيديهم) ليقاوموا الانضواء إلى مملكتنا. وكل نوع من المنظمات الجديدة يؤلف بعد ذلك
ويكون من الجمعيات السرية، يعاقب القائمون به بالموت. وأما الجمعيات القائمة اليوم، وهي معروفة
لدينا، وتعمل في خدمتنا كشأنها في الأمس، سنجرّدها من سلاحها، ونطرح
رجالها في المنافي في القارات البعيدة من أوروبا.
ثم بعد ذلك نمضي، ومعنا ماسون الغوييم الذين تحنكوا بالعمل،
فنالوا الخبرة والمعرفة، كما يكون معنا أيضاً أمثالهم، ممن نعفو عنهم،
لسبب ما، عفواً يبقيهم دائماً خائفين، مترقبين المفاجآت، يتوقعون النفي.
وسنسنُّ قانوناً يجعل جميع الأعضاء في الجمعيات السرية السابقة
معرّضين للنفي في أوروبا، وأوروبا حينئذ مقرّ حكمنا.
وستكون مقررات حكومتنا باتة، لا استئناف لها.
وأما
جمعيات الغوييم السابقة التي زرعنا فيها بذور التفرقة، والمخاصمة،
والتنابذ، والانشقاق، فَنَمَتْ تلك البذور وامتدت جذورها، فالطريقة
الوحيدة لإقامة النظام في هذه الجمعيات هو اتخاذ تدابير صارمة تتجلى
فيها سطوة السلطة بكل وضوح. ولا نبالي بالضحايا في هذا السبيل، فإن
تضحيتنا هنا بهؤلاء إنما هي لخير المستقبل، وتحقيق هذا الخير للمستقبل،
ولو شُرِيَ بالضحايا, ينبغي أن يكون الواجب المطلوب من كل حكومة تعترف
بأن تبرير وجودها، لا يتمّ بأن يكون لها حقوق وكفى، بل لا يتم إلا
بأن يكون عليها أيضاً واجبات والتزامات. وأكبر ضمان لوثاقة الحكم الجديد في أوضاعه،
هو إظهار عزة الدولة وهيبتها، كأنها تعتصب هالةً من نور، وهذه الهالة
مجلاها ومظهرها جبروت القوة، ويدلُّ على ذلك الشعار الذي في جبينها،
وهو رمز عصمتها المستمدة من أسباب علوية - يوم اختارنا الله. والأوتوقراطية الروسية إنما كانت على هذه الصفة حتى وقتٍ قريب،
وهي العدو الوحيد الرهيب رأيناه في العالم، ولا ندخل في هذا الحساب
الآن، البابوية. واحفظوا
في بالكم على سبيل المثال ما وقع في إيطاليا، فإنها، وهي سابحة في
الدم، لم تستطع أن تمسَّ ولو شعرةً من رأس صولاّ وهو الذي أسال تلك
الدماء. وتمتع صولاّ
بصولة عارمة فعلاً وتأله، لمًّا ملأ عيون الناس روعة السطوة، مع أن
الشعب كان قد رأى منه الويل والعذاب، وانتثر من بين يديه مقطعاً إرباً
إرباً. لكن لمًّا عاد صولاّ إلى إيطاليا عودة المقحام
الجريء، أفرغت عليه عودته هذه بهاءَ العظمة، ووشاح القدرة التي لا
تُغْلب. فأمسى الشعب أخوف من أن يومئ إليه إيماءً،
وأصل ذلك عند صولاّ الإقدام وقوةُ العقل.
وفي
خلال الوقت الذي ينقضي من الآن إلى أن نقيم مملكتنا، سنسلك الطريقة
المخالفة لهذا: فإننا سنخلق ونكثر من المحافل الماسونية الحرة في جميع
بلدان العالم، لتمتصَّ إلى جوفها الذين يمكن أن يغدوا من ذوي النباهة
والشأن، أو هم هكذا في حاضر حالهم، في تعاطي الشؤون العامة.
وفي هذه المحافل نجد طِلبتنا من مكامن التجسس الرئيسية وأسباب
نشر نفوذها. وهذه المحافل سنضعها تحت إجارة مركزية معروفة لنا وحدنا، وأما
غيرنا فلا يدري من ذلك شيئاً مطلقاً.
وهذه الإدارة المركزية إنما تؤلَّف من حكمائنا. ويكون لها ممثلون ينطقون باسمها، وهم بمثابة ستار يغطّي الإدارة
المركزية الماسونية التي منها تصدر التعليمات، والشارة وكلمة السر. وفي هذه المحافل، نُحكم رَبْط العُقدة التي
تضم أُنشوطتها جميع العناصر الثورية والليبرالية. وهذه العناصر آتية من مختلف طبقات المجتمع. وعلى هذا الوجه، فإن أوغل المؤامرات السياسية
في دهاليز السرية وأوكارها، يكون عندنا خبره، ونحن المحركون لذلك بأيدينا
المشيرة من وراء ستار من أول يوم تولد.
وينضوي إلى عضوية المحافل، جميع العملاء للبوليس الدولي العام،
والبوليس المحلي في كل دولة، إذ خدمة هؤلاء لا يعتاض عنها بسواها،
لأنهم يستطيعون استعمال تدابيرهم الخاصة إزاء المتمردين، وليس هذا
وكفى، بل أيضاً بوسعهم أن يكونوا ستراً على نشاطنا بما يضعون من تأويل
وتفسير ومزاعم ومدعيات، في حالات انتشار القلق والتذمر وما أشبه.
وأما
أولئك الأفراد من طبقة الشعب، الذين يسارعون طوعاً من تلقاء أنفسهم
للانتماء إلى الجمعيات السرية، فهم القوم الذين يعيشون بمقاييس ضئيلة
على قدر أفهامهم، مستندين على القليل الذي عرفوه واكتسبوه من تعاطيهم
أعمالهم المختلفة، وكل واحد منهم هو ابن صنعته، فهؤلاء على الجملة
والغالب خفاف العقول، ولا نجد صعوبة في معاملتهم واستعمالهم عند الاقتضاء
كأدوات تصلح لتعطيل سير الأجهزة التي هي من صنعنا. فإذا طرأ اضطراب على هذا العالم، فمعنى
ذلك أننا نحن الذين رأوا إيقاع هذا الاضطراب لتقوم الأمم على بعضها
بعضاً، وتهدم كيانها المتضامن المنيع. ولكن إذا ظهرت في وسط العالم
مؤامرة، فعلى رأس تلك المؤامرة لا يكون أحد سوى من هو في خدمتنا وأشدهم
إخلاصاً لنا. فطبيعيُّ، إذن، أن نكون متولين توجيه النشاط
الماسوني، لأننا نعلم أين هي الغاية من التوجيه، والهدف المقصود من
كل نشاط، بينما الغوييم يجهلون من هذا
كل شيء، ولا يتصورون النتائج حتى في أبسط أشكالها، وشأنهم المعتاد
أن يبادروا إلى إظهار الاعتداد بالنفس والتباهي والازدهاء بآرائهم
الخاصة، إلى انغماسهم في مصالحهم الفردية، دون أن يلاحظوا على الأقل
أن محض الفكرة التي يدورون حولها ليست من بضاعتهم في الأصل، وإنما
وَرَدَتْ عليهم منا، ألقينا بها وهم لا يَدْرُون.
والحافز
لأفراد الغوييم في انتمائهم إلى المحافل، عادة حب الاستطلاع
ودافع الفضول، أو أملاً أن ينتاشوا من المجتمع لقيمات من حب الظهور. وفصيل ثالث منهم، أمنيته أن يقف فيتكلم
في الجمهور ليستمعوا إليه، وهذا ليس عنده إلا ترهات. فهؤلاء جميعاً متعطشون إلى أن يستمتعوا بلذة القول أنهم نجحوا،
واستحسن الناس ما قالوا. ونحن
في هذا على غاية الجود والكرم.
والسبب الذي من أجله أننا نمنُّ عليهم بهذا النجاح والاستحسان،
هو أن نسخّرهم ونستغلّهم من ناحية غرورهم المطبق، وهذا كله مما يحملهم
على أن يهضموا بلا شعور، آراءنا وأفكارنا، ويتبنوها دون أن ينتبهوا
إلى أن ذلك هو منا. ومن شدة هذا الغرور فهم عديمو الاحتراز, وليس لهم صحة تقدير،
فيتظاهرون عن ثقة تلابسهم، بأن هذا النجاح كله هو من بنات أفكارهم
ومبتكراتهم، وهم أكبر من أن يقتبسوا، أو يقترضوا مثله من سواهم. ومن السهل جداً، من هذه الناحية، أن تجرَّ، حتى أعقلهم، إلى موقف
السذاجة، دون أن يشعر بأنه منساق مجرور، وهو متجاوب مع غروره. وسَهْل كذلك أن تميل بهم الميل الذي تريد،
منتزعا قلوبهم من بين حنايا صدورهم، وذلك لأقل فشلٍ يلاقونه، حتى ولو
كان هذا الفشل لا يزيد خيبتهم في أنهم لم يلاقوا مقدار الاستحسان الذي
كانوا يتوقعون، فيستذلّون ذلَّ العبيد من أجل أن يعود إليهم ما يأملون……وجماعتنا
ينبغي ألا يهمهم شيء من مقدار هذا النجاح الذي يشغل بال الفرد من الغوييم،
إلا إذا رأت جماعتنا أن من المصلحة لها، المسايرة في تنفيذ المسألة
المطروحة، مع العلم أن الغوييم في سبيل التلذذ بالنجاح الذي إليه يتوقون،
يضحّون بكل مرتخصٍ وغال. وهذه الحالة عن الغوييم تساعدنا كل المساعدة،
ونحن نعالج تعيين مكانهم من الاتجاه المطلوب. فهم نَمِرَةُ واسودٌ في الظاهر، أما نفوسهم فنفوس خرفان، والرياح
تلعب برؤوسهم دائماً تندفع بهم هذه الناحية أو تلك. وقد أشربناهم، عن طريق إركابهم حصاناً من
قصب كحصان الصبية اللاعبين في الساحة، فكرةَ اندماج الفرد في المجموع
لتحصل من ذلك الوحدة الرمزية للجماعة..ولم يفطنوا، ولن يفطنوا، إلى
أن هذا الحصان الذي أركبوه فامتطوه بازدهاء وخيلاء، ما هو إلا ابتعاد
واضح من مجرى النواميس الطبيعية، إذ الطبيعة قد أوجدت من أول يوم الكون،
كل وحدة من وحداتها تختلف عن الأخرى، والغاية من ذلك إنشاء الفردية.
فإذا
كنا قد استطعنا أن نورد الغوييم كل هذه الموارد من التضليل لبلاهتهم
وانغلاق عقولهم، أفليس هذا برهاناً ساطعاً على ما انتهت إليه أذهانهم
من ركود وتخلّف، إذا قابلتم الحال بيننا وبينهم؟ وهذا ما يضمن لنا
النجاح.
ولعمري،
ما كان أحكم سلفنا في الأزمنة الغابرة لما قالوا أن في طلب كبار الغايات
لا يقام وزن للوسائل والضحايا..وما بنا من حاجة لنحسب ما تحمله الغوييم
من ضحايا لحفظ بذرة حيوانه والاحتفاظ بسلالته، مع أن ضحايانا نحن لم
تكن بالقليلة. ولكن من أجل ما تحملوا هم، فنعطيهم اليوم من المكان
والفسحة على وجه الأرض ما لم يتخيلوه حتى في أحلامهم. وأما عدد ضحايانا القليل من مجموعنا، فقد
حَفِظَ لنا قوميتنا وحماها من الاندثار.
الموت
حق على كل حيّ. فيكون
خيراً وأفضل أن نقرّب الآجال على الذين يعترضون سبيلنا، من أن نقرّب
آجالنا، نحن الواضعين لهذه الخطة.
وإننا مستعدون أن نعدم الماسوني إعداماً يخفى خبره عن الناس
جميعاً، ما عدا الأخوة الماسونية، ولا يدري بهذا أحد حتى المحكوم عليه
نفسه، فيظل على جهل من مصيره المدبَّر له حتى يلقاه، فيموت بالوقت
الذي عين له كأنه مات ميتة طبيعية من مرض عادي…..والأخوة الماسون أنفسهم،
إذا ما علموا بذلك فلن يقووا على الاحتجاج. وبهذه الطريقة نكون قد اقتلعنا من وسط الماسونية الجذور التي
قامت تشغَب علينا. وبينما
نُعنى بنشر الليبرالية في آفاق الغوييم، لينطلقوا يفعلون ما يريدون،
ترانا جِدّ حريصين على جعل شعبنا وعملائنا في حالة الخضوع لنا دون
أي اعتراض.
ولا
يغيب عنا إننا بفعل هيمنتنا على الغوييم، استطعنا أن نجعل تنفيذ القوانين
عندهم يلزم الحد الأدنى، ذلك لأن هيبة القوانين قد نسفتها نسفاً التفسيرات
الليبرالية، فعقـَّدتها، وتركتها كومة من الإبهام.
وأهم القضايا وأعلاها شأنا، يتولى القضاة الفصل فيها على ما
نوحي به إليهم، وينظرون في المسائل على هذا النحو أيضاَ، في إدارة
شؤون الغوييم، وهذا طبعاً على يد أشخاص هم أدواتنا باطناً، لكنهم في
الخارج وعلى عيون الناس - لا صلة بيننا وبينهم، ويتم تبليغ ما يراد
تبليغه بمقالات الصحف وما أشبه. وحتى أعضاء مجلس الشيوخ، وكبار رجال الإدارة، فإنهم يتقلبون نصائحنا
بالرضى؛ وعقل الغوييم لخشونته المطلقة، تراه عاجزاً عن التحليل والملاحظة،
وهو بعد ذلك أعجز عن رؤية أقرب النتائج للحلول التي يضعها ولا يتصور
ما تؤدي إليه.
ومن
هذا الفرق في الخصب العقلي بيننا وبين الغوييم، يتضح ما اختصنا الله
به من مزايا منذ شاء اتخاذنا الشعب المختار، ويتجلى أيضا ما اختصنا
به من درجة عالية في سجية الإنسانية وأما الغوييم فلهم العقل الراكد.
ولهم عيون ولكنهم لا يبصرون شيئاً مما أمامهم، وهم لا يخترعون،
ولا يبدعون (إلا ما عسى أن يكون في باب الاختراعات المادية) ومن هذا
يعلم أن الطبيعة نفسها هي التي خطت مصيرنا لقيادة العالم والسيادة
عليه.
ومتى
ما جاء الوقت لنمارس الحكم العالمي علناً، ونقبض على زمامه في وضح
النهار، باسطين للناس بركاته، فإننا سنفرغ كل القوانين في قوالب جديدة،
موجزة، واضحة، متينة التركيب، لا تحتاج إلى تفسير أو تأويل، بحيث يكون
بوسع أي فرد أن يفهمها بسهولة، والخصيصة الأولى الملازمة للنصوص، هي
بيان وجوب الطاعة للقانون. وهذه القاعدة الأساسية تنزل المنزلة الكبرى من الخطورة، فتتلاشى
النقائص والقباحات، ويمحى سوء الاستعمال، لما هناك من مسؤولية يحاسب
عليها، وعين السلطان العليا رقيبة على كل شيء. والخارجون على القانون ينالهم العقاب الصارم، ولا مجال لأحد لكي
يفرض تجربته الشخصية عن طريق القانون، وسنحيط سير الإدارة برقابة فاحصة
يقظة، إذ على هذا يتوقف سير أجهزة الدولة كلها في مطلق شُعَبِها ودوائرها،
لأن الخلل إذا وقع هنا في الإدارة، تفشَّى في جسم الدولة بلا استثناء. لذلك لن تمر حادثة واحدة من حوادث المخالفات إلا ويتناول العقاب
مرتكبها.
أما
إخفاء الجريمة والذنب، والتواطؤ بين القائمين بالإدارة الحكومية، كل
هذا الشر لن يكون له وجود، بعد أن تُنزِل العقوبات الصارمة بمن يستحقها
في البداية، فتكون في ذلك عبرة كافية.
وهالة سلطتنا المشعة بالنور، تقتضي هذا، أي العقوبات العنيفة
على أقل الذنوب، لتظلًّ الهيبة القانونية على جلاها، لا تعلق بها شائبة.
ومرتكب الذنب قد يلقى من الجزاء فوق ما يستحق، ومَثَلُه في
ذلك مَثَلُ الجندي، لكن ميدانه العمل في الخدمة الإدارية لمصلحة الدولة،
مبدأً وقانوناً، وقد يُوَلَّج أن يمسك بعنان المركبة العامة ويكون
سائقها، فلا يجوز له أن ينحرف بها عن جادة الطريق، فتنزلق وتهوى بمن
فيها، وما السبب في ذلك إلا ما في نفس السائق من غاية خاصة، ومثل ذلك
يقال في القضاة: فقضاتنا سيعلمون أنهم إذا انحازوا بعامل الرحمة والشفقة،
فيكونون بهذا قد خالفوا قانون العدالة، القانون الذي وضع لتقديس شخصية
الفرد، عن طريق عقاب المجرم على ما ارتكبه من جرم، وليس موقف القاضي
هنا أن يظهر ما في صدره من عاطفة حنان ورأفة، إذ هو هنا لإجراء الحكم
فحسب، لا للميل إلى ما في نفسه. فإذا كان للقاضي عواطف وميول خاصة، فليمارس
ذلك في شؤون حياته الخاصة، لا في ساحة القضاء، حيث القضية هنا هي تعليم
وإرشاد لخير الحياة الإنسانية.
والقائمون
بأعمال الجهاز القضائي يُصرَفون من الخدمة عند بلوغهم سن الخامسة والخمسين. وأسباب ذلك أولاً لأن الذين تقدموا في السن،
يجمدون على آراء يخالطها تحيز ومحاباة، فيصعب عليهم التخلي عن طبعهم
إلى ما هو أصلح. ثانياً،
أن هذا الصرف من الخدمة يعطينا الفرصة لتحقيق المرونة في تغيير الموظفين
وانتقاء عناصر جديدة أطوع، فالذي يودّ أن يشغل عملاً ما، عليه أن يستحقه
بالطاعة. وعلى الجملة، فإننا سنختار قضاتنا من الذين آمنوا كل الإيمان
بأن الواجبات المطلوب منهم القيام بها هي العقاب على الجريمة، وتطبيق
القانون، لا مجاراة الأهواء الليبرالية، على حساب الآلة التهذيبية
في الدولة، على نحو ما يفعل الغوييم اليوم.
ثم إن صرف الموظفين أو تغييرهم، من شأنه أن يذهب برابطة تكتل
الموظفين الذين يجمعهم التضامن المسلكي وهم رفقةُ صعيدٍ واحد.
وفائدة أخرى أيضاً من الصرف: وهي رَبْط عمال الدولة جميعاً
بوثاق مصالحها، وعلى هذه المصالح يتوقف مصير الموظفين.
وأما عنصر الشباب من قضاتنا فيكمل استعدادهم لتولي القضاء بإخضاعهم
لدورات تدريب يفهمون منها استحالة الميل مع المذنب، إذ يتجلى لهم ما
يكون وراء هذا من إفساد لأوضاع الرعية فيما بين بعضها بعضاً.
وفي
أيامنا هذه، نرى قضاة الغوييم ينحرفون عند النظر في كل نوع من أنواع
الجرائم، فلا يفهمون فهماً سليماً معنى ما عهد إليهم فيه، ذلك لأن
حكامهم عند اختيار القضاة لا يهمهم أن يكون القاضي متشبعة نفسه بحب
التجرد ليستطيع موازنة الأمور بحكمة وإصابة. وكما تُطلِقُ الحيوانات صغارها لترعى حيث
تريد، كذلك يفعل الغوييم بتسليط الموظفين على المصالح والأعمال، ليعتصروا
منها ما يشاءون لأنفسهم، وهذا هو السبب في ما يحل بحكوماتهم من خراب،
فهم في الواقع يخربونها بأيديهم، عن طريق عمالهم.
ولا
بأس أن نقتبس درساً آخر من نتائج هذه الأعمال لخير حكومتنا.
إننا
سنطارد الليبرالية من جميع المناصب الحسّاسة الخطيرة، وعلى هذه المناصب
يتوقف تدريب العمال الثانويين اللازمين لهيكل الدولة. وهذه الوظائف لا يشغلها إلا من كَمَلَ تدريبهم ليعملوا في الإدارة،
وإذا قيل من باب الاعتراض على هذا، أن صرف الموظفين من الخدمة على
هذا الوجه، يحمّل خزانة الدولة عبئاً مالياً، أجبت، أولاً بأن المصروفين
من الخدمة سيهيّأ لهم من الأعمال في المصالح الخاصة خارج الحكومة ما
يعتاضون به عما فقدوه من مرتب.
وثانياً، عليّ أن ألفت النظر إلى أن جميع أموال الدنيا ستكون
محتشدة في أيدينا، فلا تكون حكومتنا في النهاية هي التي تخشى أن تتحمل
هذه النفقات.
وسلطتنا
المطلقة تكون في مجرى هذه الأمور كلها على منطقٍ آخذٍ بعضه برقاب بعض،
اطرادا وانسجاماً، فيتلقى الشعب أوامرنا الباتَّة الصفة في كل قضية،
بغاية الرضى والقبول، وينفذ إرادتنا إلى غايتها دون اعتراض، ولن نقيم
وزناً لأي شكوى أو تململ، فإذا ظهر شيء من هذا فنسحقه توّاً، ونستأصله
بالمجازاة الصارمة.
وسنلغي
حق الاستئناف لصاحبه. وإنما
نجعله في خيارنا – تحت نظر الحاكم، إذ لا ينبغي أن ندع الاعتقاد يسري
في الأذهان أن لا طريق لتصحيح الخطأ الذي يقع فيه القاضي، والقاضي
هو من قِبَلِنا، ونحن أقمناه ليقضي في الناس.
فإذا ما وقع في هفوة، فنحن برفع القضية من تلقاء أنفسنا إلى
مراجعها العالية، ولكننا نأخذ القاضي بعقاب عنيف، ليكون أمثولةً وعبرة،
وحتى لا يقع في الخطأ مرةً أخرى…وعليّ أن أكرّر أننا سنكون محيطين
علماً بكل ما يجري في الجهاز الإداري إحاطة تامة، لنأمن العثرات، فيطمئن
الشعب إلى حكمنا ويسكن، ومن حقه أن يطلب من الحكومة الفاضلة موظفاً
فاضلاً.
وستكون
حكومتنا متشحة بمظهر الوصاية الأبوية على الشعب، ويتمثل هذا في شخص
الحاكم الأعلى، وسيدرك شعبنا ورعيتنا هذا الحنان الأبوي في كل مصالحهم
وأعمالهم، وفي مجرى كل العلاقات الشعبية المتبادلة بين واحد وآخر،
ومجرى العلاقات التي بين الشعب والحاكم. وهذا ما سيشربهم العقيدة أنهم لا غنى لهم
عن استظلال ظل هذه الوصاية الأبوية، إذا شاءوا أن يعيشوا بسلام وهدوء،
وسيعترفون بفضائل الأوتوقراطية في حاكمنا، بإجلال كاد يكون تأليهاً،
ولا سيما عندما يقتنعون بأن الذين نصبناهم عمّالاً عليهم من عمَّال
الدولة، لن يتبعوا الهوى أو آراءهم الخاصة، بل دأبهم أن ينفّذوا إرادة
صاحب السلطة العليا كما تملى عليهم. وكذلك سيسر الشعب ما أحدثناه له من تنظيم
أمور حياته ورعاية مصالحه، فصنعنا له ما يصنع الأب الحكيم نحو أولاده
من تربيتهم على حب الواجب والطاعة.
فإن شعوب العالم من جهة وقوفها على أسرار دولتنا، كانت عبر
التاريخ لكه بمثابة القاصر الذي لم يبلغ الرشد، وكذلك كانت حكوماتها.
وكما
تعلمون، فإني أبني سلطتنا الفردية المطلقة على قاعدتي الحق والواجب
والحق هو الإجبار على تنفيذ الواجب
كما رسمته الحكومة باعتبار الأبوّة التي لها على الشعب.
فلها حق القوي تستعمله في توجيه الإنسانية نحو هذا النظام الذي
حدّدته الطبيعة وعرفته بأنه الخضوع.
وكل شيء في العالم معناه الخضوع، وإذا لم يكن هذا الخضوع للإنسان
فهو للأحوال والظروف، أو للقوة الذاتية في الشيء نفسه، وعلى كل اعتبار
يكون الخضوع للقوة التي تسيطر عليه. ولذلك نقول إننا سنكون نحن هذه القوة المسيطرة
من أجل الخير.
ولا
نتردّد في تضحية الأفراد الذين يخالفون النظام القائم، ففي العقاب
الصارم ينزل بالمخالف ما يعطي درس التعليم.
ومتى
ما وضع ملك إسرائيل على رأسه المقدس التاج الذي تقدمه إليه أوروبا،
فإنه يصبح أباً للعالم، والضحايا الذين تقضي المصلحة بتضحيتهم، ولا
مهرب من هذا، لن يماثل عددهم عدد الضحايا الذين سقطوا في خلال القرون
الماضية بسبب تهالك حكومات الغوييم على الأباطيل والتباري من أجل الأبهة
الفارغة، وسيكون ملكنا على اتصال دائم بشعوبه، ملقياً عليهم من على
منبره الخطب التي في ساعة إلقائها يتردد صداها في العالم كله.
البروتوكول
السادس عشر
تعقيم برامج التعليم في الجامعات – ماذا يحلّ محل
الكلاسيكيات – التدريب والمهن – التبشير بسلطة الحكم الجديد في المدارس
– إلغاء حرية التعليم – النظريات الجديدة – استقلال الفكر – التعليم
على أسلوب "دروس الأشياء"
إنه
كلي يتم لنا تخريب جميع القوى التي تعمل على تحقيق الانسجام الفكري،
والتضامن الاجتماعي، ما عدا قوانا نحن، علينا أن نبدأ بتفكيك حلقات
المرحلة الأولى من هذا وهي الجامعات.
والطريقة، أن ننقض وننفض أساليب التعليم من أساسها، ونُفْرِغَها
في أساليب جديدة وتوجيه حديث. والأساتذة والقائمون بالوظائف التعليمية،
يُهيّأون تهيئةً خاصة وفق برامج سرية عملية، ويُقيدون بها بشدة، حتى
لا يسوغ لأحد منهم أن يحيد عنها قيد شعرة.
ويدقق في اختيارهم وانتقائهم بكل عناية، فإذا ما شرعوا في أعمالهم
باتوا ومستندهم الحكومة، ولا انفكاك لهم بعد.
وسَنخْرج
من مادة التعليم الجامعي دستور الدولة وكل ما يمت إليه وإلى المسائل
السياسية بصلة. غير أن هذه الموضوعات يقصر تعليمها على
بضع عشرات من الذين يُختارون من الطلاب اختياراً لتفوقهم في الذكاء،
وبهذا تقف الجامعات عن أن تقذف إلى العالم كل سنة بطائفة بعد طائفة
من المخنثين الذين ينطلقون بخفةٍ لتلفيق المخططات الدستورية ورسم المشروعات
الهوائية، راقصين حول هذا كأنهم على مسرح في رواية مضحكة أو مأساة،
يتلهون بمناقشة موضوعات هي فوق مداركهم، ولم يسبق لآبائهم أن حذقوا
شيئاً من دقة الفكر.
وتعريف
الجمهرة من الناس تعريفاً سيئاً ملتوياً، بشؤون الدولة ومسائلها، وهم
يأخذون هذا بعقول فَجَّة، أمرٌ لا ينتج عنه سوى العنصر الذي يركبه
الهوس والخيال، يرافقه المواطن الرديء السيرة، ويسهل عليكم ملاحظة
المثال على هذا، في ما برونه من نتائج التعليم الشائع اليوم في العالم
بين الغوييم. فالواجب
الذي علينا هو أن ننقلهم إلى حيّز تعليمٍ آخر، يتعلمون فيه جميع المبادئ
والقواعد والأصول، مما كان رائعاً في نسف نظامهم. ولكن متى ما تسلمنا نحن زمام الحكم والسلطة، ستزيل من المناهج
كل موضوع شائك مقلق، ونجعل من الشباب شباباً طائعين للسلطة، محبين
للحاكم، يرون في حكمه العون والأمل في بيئة السلام والطمأنينة.
وأمَّا
تدريس الآداب والفنون الكلاسيكية (منذ عهد اليونان والرومان) وكذلك
تدريس التاريخ القديم، مما أمثلته تدلُّ على أن ضرره أكثر من نفعه،
فهذا كله سنذهب به، ونضع محله تدريس برامج المستقبل.
وسنمحو من أذهان الناس جميع ما وعته من وقائع القرون الخالية،
مما لا نرى فيه الخير لنا، ولا نبقي إلا على ما يسجل المزالق على حكومات
الغوييم. وما يحتل المكان
الأول في برامج التعليم الجديدة، تدريس أصول الحياة العملية، والواجب
نحو النظام، ونحو علاقات الناس بين بعضهم بعضاً، وفي التدريس المقبل
نجتنب الأمثلة التي فيها صور الأنانية والانحراف، إذ في هذا تَكْمُن
بذور الشر وعدواه، ثم يُعْتنى بكل عنصر من عناصر التهذيب والتقويم. والمناهج التعليمية تتوزع على مناحٍ مختلفة، بحيث يتعلق كل منهج
بمنحى من مناحي الحياة على مراحل العمر كله، وأن نجعل التعليم يجري
على نمط متماثل وله طابع متَّسق.
وهذه المسألة هي غاية الخطورة ولها عندنا المقام الأول.
وكل
مرحلة من مراحل العمر، تُضْبَط قواعدها على التحديد، ويُجعل مقابلها
ما يناسبها من العلم في الحياة.
وأما النبغاء الذين يظهرون متفردين في الذكاء، والآن وفي كل
زمان، فلهم من ألمعيتهم ما يمكنهم من تخطي حدود المراحل في حلبة الحياة،
ولكن من البلية على هؤلاء المشرقين اللامعين أن يزاملهم من رفقائهم
مَنْ حظه البلادة وفقر الموهبة، فيحاول هؤلاء المناكيد مزاحمة من هو
أفضل منهم وامتاز عليهم بحكم الفطرة أو الجدارة في إتقان العمل. ولا يخفى عليكم ما أصاب الغوييم من نكبة
بسبب ضلالهم في هذا الأمر.
ومن
تصدى للحكم، وابتغى أن يكون له في قلوب الرعية مكانةُ وطيدة، وفي أذهانها
صورةُ جميلة، وجب عليه بالضرورة، ما دام يمارس واجباته، أن يطلق الأمة
جمعاء بكل وسيلة، في المدارس والساحات العامة، على ما هو بسبيله من
مقاصد وأعمال، وما يهدف إليه من خير شامل في نشاطاته.
وسنلغي
حرية التعليم في جميع الوجوه.
فالمتعلمون، وكل فريق منهم يتبع مرحلة من المراحل، يكون لهم
الحق أن يجتمعوا مع آبائهم وأهليهم في أماكن عامة كاجتماعهم في منتدى.
وفي هذه الاجتماعات أيام الاستراحة، يقوم الأساتذة الموكول
إليهم الأمر، بقراءة مواد تجري مجرى الخطب والمحاضرات، مجانية، تتناول
العلاقات الإنسانية والقوانين مع الشواهد والأمثلة، كما تتناول شرح
القيود والنواهي المتولدة من الصلات اللاشعورية بين الناس، وأخيراً
فلسفة النظريات الجديدة التي لم تعلن بعد إلى العالم. وهذه النظريات سنعلي من شأن قيمتها إلى
حدّ أن ينيلها من جدّ الاعتبار ما للعقائد في الأديان، وهذا يقع في
دور الانتقال نحو الوصول إلى ديننا في النهاية.
وإذ
قد فرغت من عرض برامجنا العملية للحاضر والمستقبل، فإني أتلو عليكم
الآن مجمل القواعد لتلك النظريات.
|